قراءة علمیّة فی کتاب
الشیخ غسّان الأسعد[1]
بطاقة الکتاب:
- اسم الکتاب: معالم التجدید الفقهیّ -معالجة إشکالیّة الثابت والمتغیّر فی الفقه الإسلامیّ-(أبحاث السید کمال الحیدریّ)
- تقریر: الشیخ خلیل رزق
- بیانات النشر: ط1، قم المقدّسة، دار فراقد للطباعة والنشر، 1429هـ.ق/ 2008م، (219 صفحة من القطع الوسط).
مقدّمة:
شغلت مسألة التجدید الفقهیّ أذهان المفکّرین والباحثین والعلماء فی العقود الأخیرة الماضیة؛ وذلک تبعاً للتطوّرات والتبدّلات العلمیّة والحضاریّة التی فرضت على الباحث المسلم أن یسعى إلى تقدیم موقف الإسلام من مختلف القضایا المستجدة والمستحدثة؛ حیث إنّ المسائل المطروحة فی الکتب الفقهیّة القدیمة لم تعد کافیة للإجابة عن کثیر من القضایا الملحّة. ومن هنا، برزت محاولات عدّة ترمی إلى حلّ هذه الإشکالیّة وسدّ الفراغ الحاصل فی هذا الإطار، علماً أنّ هذا التجدید یحتاج فی الواقع إلى مبرّرات وحجج نظریّة تدعمه وتؤیّده، حیث یکون هذا التجدید مشروعاً غیر مبتدع.
أولاً: تعریف بالکتاب:
یشکّل الکتاب الذی بین أیدینا واحدة من المحاولات التی تسعى إلى تقدیم هذا المبرّر النظریّ من خلال معالجة إشکالیّة الثابت والمتغیّر فی الفقه الإسلامیّ. وقد قسّم المصنّف کتابه إلى أربعة فصول، نحاول أن نستعرض ما جاء فیها بشکل مختصر وواضح:
الفصل الأوّل: الفقه الإسلامیّ وضرورة الاجتهاد:
یتعرّض المصنّف فی هذا الفصل إلى ضرورة الاجتهاد الفقهیّ؛ وذلک بعد استعراضه لإشکالیّة ثبات الشریعة وتغیّر الزمان والظروف؛ ما یکشف عن إشکالیّة أساسیّة فی کیفیّة حکم الإسلام فی هذا الزمن الذی شهد تغیّراً کبیراً فی مختلف النواحی والظروف الحیاتیّة والمفاهیم الفکریّة، فالإسلام یقدّم نفسه دیناً قادراً على حلّ مشاکل الإنسانیّة وهمومها؛ بل یرى المسلمون دینهم مبیّناً الطریق الأصلح لإدارة شؤون العالم على مختلف المستویات، وهذا ما دفع بعض الباحثین إلى محاولة تقدیم حلّ لإشکالیة الثابت والمتغیّر فی الشریعة، فکیف یمکن لدین یتضمّن أحکاماً ثابتة نزلت منذ أکثر من 1400 سنة أن یحکم هذا العالم المتغیّر والمتبدّل؟!
ویشیر المصنف إلى أنّ الجذور التاریخیّة لهذه الإشکالیّة تعود إلى قرنین من الزمان؛ وذلک فی عصر النهضة بالتحدید.
وإن أرجع بعض الباحثین ذلک إلى القرون الهجریّة الأولى، فإنّ هذه الإشکالیّة -على کلّ حال- اتّخذت مدیات أکثر عمقاً فی العقود الأخیرة؛ بسبب انصیاع بعض الإسلامیّین -على حدّ تعبیر المصنّف- لتهویلات الغرب؛ ما حملهم على التساؤل عن مدى إمکانیّة التشریع الإسلامیّ وقدرته على مواکبة العصر، خاصّة أنّ القوانین الغربیّة أوجدت عقوداً وحقوقاً مختلفة فی أبواب المعاملات، وهذا یحتاج إلى موقف شرعیّ واضح. وقد توهّم بعضهم أنّ ثمّة نقصاً فی التشریع الإسلامیّ فی هذا المجال. ومن هذه المسائل: التأمین، التلقیح الصناعیّ، زراعة الأعضاء، والاستنساخ...
ومن هنا تبرز الحاجة الماسّة إلى الاجتهاد؛ بوصفه ضرورة تشریعیّة فی الفقه الإسلامیّ، وفتح باب الاجتهاد هو الذی یتیح للإسلام الإجابة على مختلف التساؤلات المعاصرة والقضایا المستجدّة، وقد أکّد المصنّف على أهمّیّة التفقّه فی الدین، بالاعتماد على الکتاب والسنّة.
ویؤکّد المصنّف على أنّ المراد من الفقه لا یقتصر على ما هو موجود فی الرسائل العملیّة؛ بل إنّ الفقه یبیّن الشریعة الإسلامیّة بکافّة جوانبها، حیث یشمل جمیع جوانب الحیاة، وهذا التفقّه لا یکون إلا بالاجتهاد الذی یشکّل -کما هو واضح- مفتاحاً لحلّ مشکلات الأصالة والحداثة، وهو اجتهاد یستند إلى قواعد کلّیّة، وقد بیّن النبی (ص) والأئمة (عله) من بعده هذه الکلّیّات، حیث ورد عن الإمام الباقر (ع) أنّه قال: "ما من شیء إلا فیه کتاب أو سنّة".
ویشیر المصنّف إلى أنّ الأمر بالتفقّه فی الدین لا یقتصر على معرفة الأحکام الشرعیّة العملیّة؛ لأنّ التفقّه المأمور به فی الروایات یعمّ مختلف الشؤون والقضایا فی الإسلام. فقد اعتبرت الروایات أنّ الفقهاء حصن من حصون الإسلام، ولا یکون الفقیه حصناً من خلال تخصّصه فی الفقه العملیّ فقط، فهذا جزء من ثغور الأمّة التی تحتاج إلى حصون لحمایتها؛ لذلک، فإنّنا نحتاج فی واقع الأمر إلى متخصّصین فی مختلف الشؤون والقضایا الأخلاقیّة والاقتصادیّة والاجتماعیّة والسیاسیّة، وکذلک فی العقائد والمفاهیم المختلفة؛ لیشکّل هؤلاء معاً حصناً منیعاً للدفاع عن الإسلام.
ومن هنا، نجد أنّ الاجتهاد بالمعنى التقلیدیّ المستخدم فی الفقه العملیّ لیس أداة ثابتة لحلّ مشکلة التغیّر الحاصلة فی المجتمع المعاصر.
الفصل الثانی: أسباب المشکلة فی الفقه الإسلامیّ المعاصر:
1. المنهج الفقهیّ التقلیدیّ:
من هذا المنطلق، یبدأ المصنّف بعرض المنهج الفقهیّ التقلیدیّ، ویمهّد فی بیانه لهذا المنهج التجدیدیّ من خلال دراسة المنهج التجدیدی لدى الإمام الخمینی (قده) الذی دعا إلى تفعیل عنصری الزمان والمکان فی عملیّة الاجتهاد.
وقد انتقل المصنّف إلى بیان رؤیة الشیخ محمد مهدی شمس الدین لحلّ المشکلة، حیث یرى أنّ الشریعة لا ینبغی أن تتکیّف مع حاجات العصر ومتغیّراته، فهذا النمط من التفکیر خاطئ بشکل کبیر؛ فالشریعة هی التی تصنع نمطاً خاصّاً للحیاة. ولذلک فهی لا تحتاج إلى التکیّف مع نمط الحیاة الغربیّة وثقافتها.
ویعزو المصنّف هذه الإشکالیّة الحاصلة فی الفقه التقلیدیّ إلى أسباب مختلفة:
- السبب الأوّل: مشکلة المنهج الأرسطیّ، حیث یرى الکاتب أنّ علم أصول الفقه قائم على أساس المنطق الأرسطیّ، وهذا له تأثیر کبیر على الفقه وعلى عملیّة الاستنباط الفقهیّ برمّتها، ولذلک نجد السید الشهید محمد باقر الصدر (قده) عندما اعتمد على الاستقراء أساساً للمنهج فی علم أصول الفقه، تبدّلت وجهة نظره إلى عدید من القضایا؛ مثل: الإجماع، وحجّیّة خبر الواحد، والشهرة، وغیرها...
والإشکالیّة الأساس فی هذا المنهج؛ هی أنّه ینطلق من الکلّیّ إلى الجزئیّ، لا من الجزئی إلى الکلّیّ؛ بمعنى أنّ الفقه ینطلق من الواقع إلى النصّ؛ بل ینطلق من مجموعة من التصوّرات الذهنیّة المجرّدة لاستنباط الحکم الذی یتبیّن للفقیه فیما بعد أنّه حکم بعید عن الواقع.
ومن هنا، یرى المصنف أنّ دور الفقیه یتمثّل فی أمرین: الأوّل: هو استباط الحکم، والثانی: التصدّی لبیان بعض الموضوعات وحدودها، وهو ما یترک للمکلّف عادة، وخاصّة فی باب المعاملات التی یراد من خلالها بیان حکم عدید من العقود الجدیدة، فعلى الفقیه دراسة هذه العقود، وبیان حکم الشارع فیها، لا أن یلقی ذلک على عاتق المکلّف.
وتأخذ الإشکالیّة مدى أوسع مع التصدّی لنظام الحکم، حیث إنّ وجود الحکومة والنظام الإسلامیّ یفرض علینا مواجهة إشکالیّات عدّة نحتاج معها إلى حلّ مناسب.
- السبب الثانی: البعد السیاسیّ، حیث کان فقهاؤنا یعیشون لقرون طویلة فی ظلّ السلطان الجائر؛ لذلک کانوا یعتنون بعلاج المشکلات الفردیّة، وکان الفقه الإمامیّ منعزلاً عن الجانب الاجتماعیّ والسیاسیّ، وهذا ما ینبغی تخطّیه.
- السبب الثالث: مشکلة التطبیق، حیث إنّ إصدار الأحکام المجرّدة، دون أن تأخذ طریقها نحو التطبیق، یخلق مشکلة أساسیّة؛ فالعدید من القضایا إنّما تبرز من خلال التطبیق، وعلى الفقیه التصدّی عندها لحلّ هذه الإشکالیّات، وممارسة دوره الاجتماعیّ؛ کی یکون قادراً على استنباط الحکم الشرعیّ الصحیح؛ خاصّة أنّ معایشة الواقع قد تؤثّر على النتائج التی یتوصّل إلیها الفقیه.
- السبب الرابع: العلاقة بین الفقیه والسلطان: حیث إنّ معاناة الفقیه من مشکلة مع السلطان، جعلت الفقیه یعیش فی خوف دائم من تطبیق بعض الأحکام التی تمسّ الحکم والسلطة، وقد تؤدّی به إلى الامتناع عن بیان الحکم التامّ فی بعض الحالات.
- السبب الخامس: عدم انطلاق الفقیه من الواقع المعاش:
هنا نجد أنّ المصنّف قد وقع فی نوع من التداخل فی بیان الأسباب التی یمکن اختصارها بسببین، وباقی الأسباب مکرّرة ومتضمّنة فی الأسباب الأخرى، فالسبب الرابع لیس مستقلاً تماماً عن الثانی، والسبب الخامس متضمّن فی الأوّل والثالث، وثمّة تداخل کبیر بین السببین الأوّل والثالث.
2. علاج المشکلة فی الفقه المعاصر:
طرحت نظریّات عدّة لمعالجة هذه الإشکالیّة، منها:
- نظریّة الشهید الصدر (قده): الذی شدّد على ضرورة انطلاق الفقیه فی رؤیته الاجتهادیّة آخذاً بعین الاعتبار حالة الأمّة لأصالة الفرد فقط.
- نظریّة الشهید مطهریّ (قده): الذی یرى أنّ الثبات فی الشریعة لا یعنی الجمود؛ بل إنّ الثبات یمکن أن یجتمع مع المرونة، والتغیّرات الحاصلة فی العالم المعاصر لا تعنی عدم وجود شیء ثابت، فالبحث ینبغی أن یترکّز حول التأمّل والتعمّق فی المفاهیم الإسلامیّة وفی قدرتها على مواکبة التطوّرات الحاصلة مع کونها ثابتة.
الفصل الثالث: النظریّات الفقهیّة فی المدرسة الإمامیّة:
یلجأ المصنّف فی هذا الفصل إلى عقد مقارنة بین نظریّة الحسبة وبین نظریّة ولایة الفقیه، ویخلص إلى نتیجة مؤدّاها أنّ المنهج الفقهیّ القائم على أساس نظریّة الحسبة لا یستطیع أن یتکفّل بإدارة المجتمع الإسلامیّ؛ باعتبار أنّ المساحة التی تتیحها له هذه النظریّة للتصرّف فی الشؤون الحیاتیّة المختلفة ضیّقة جدّاً، وصلاحیّات الفقیه وفق هذه النظریّة تدور مدار الحکم الأوّلی، ولا یکون الفقیه واجبَ الطاعة فی غیر هذه الموارد، وهذا یعنی أنّه ینبغی اللجوء إلى منهج فقهیّ آخر فی حال أراد الفقیه إدارة المجتمع بشکل ناجح وفعّال، وهذا بخلاف نظریّة ولایة الفقیه، حیث تکون دائرة تصرّف الولی الفقیه واسعة جدّاً[2].
والملاحظ أنّ المصنّف لم یشر إلى جهة ارتباط البحث بهذه المقارنة التی عرضها فی هذا الفصل، ولم یبیّن الهدف من استعراضها؛ بل یشعر القارئ للوهلة الأولى أنّ هذا الفصل أجنبیّ عن المقام، ولا یتبیّن الهدف من استعراض هذه النظریّات فی علاقتها بعنوان البحث إلا فی نهایة الفصل، وهذا خطأ منهجیّ واضح، کان ینبغی عدم الوقوع فیه؛ لأّن هذا الأسلوب یشوّش ذهن القارئ، ویفقده الترکیز والترابط المطلوبین.
ثمّ یعکف المصنّف على دراسة هذه النظریّة التی ذکرها الشهید الصدر فی طیّات کتبه؛ بوصفها حلاً لمشکلة العلاقة بین الثابت والمتغیّر. وخلاصة هذه النظریّة أنّ التشریع الإسلامیّ یشتمل على جملة من المبادئ والخصائص التی تمکّنه من تجاوز التطوّر الزمنیّ فی مختلف العصور؛ بفضل وجود عامل التشریع المتحرّک، وعلاقة الإنسان بأفراد الإنسان الآخرین تمثّل الجانب الثابت، فیما تمثّل علاقته بالطبیعة الجانب المتحرّک.
فعلاقة الإنسان بالآخرین ثابتة لا تتغیّر، والتشریع إنّما یعالج فی إطار العلاقات الموجودة مشاکل جوهریّة ثابتة لا تتبدّل، وتعتمد على عنصری الحقّ والواجب، بینما علاقة الإنسان مع الطبیعة متغیّرة؛ باعتبار أنّ هذه العلقة تتبدّل بطبیعتها فی کلّ عصر وفق الظروف والإمکانیّات والعلاقات والترکیبات الاقتصادیّة المتاحة.
وبناءً علیه، فإنّ هذه النظریّة تعطی الفقیه مادّة أوسع؛ انطلاقاً من کونه حاکماً شرعیّاً، حیث تتیح له أن یمارس دوره بمقتضى حاکمیّته، فیحرّم بعض الأمور أو یحلّلها فی إطار منطقة الفراغ المذکورة.
الفصل الرابع: الإمام الخمینی (قده) ونظریّة الزمان والمکان:
یخصّص المصنف هذا الفصل للحدیث عن نظریة الإمام الخمینی (قده) فی ما یتعلّق بدخالة الزمان والمکان فی عملیّة الاستنباط وتأثیرهما على العملیّة الاجتهادیّة، وینبغی أن نشیر فی المقام إلى أنّ الکاتب لم یوفّق فی اختیار عنوان کتابه؛ حیث إنّ إیراد اسم الإمام (قده) فی العنوان یعنی أنّ الکاتب یتحدّث عن أمرین: شخصیّة الإمام، ونظریّة الزمان والمکان، بینما کان من الأولى أن یختار عنواناً آخر.
وعلى کلّ حال، یؤکّد المصنّف فی هذا الفصل على أهمّیّة رؤیة الإمام الخمینی (قده) إلى الاجتهاد الفقهیّ الذی یأخذ بعین الاعتبار شرطی الزمان والمکان، حیث یقول الإمام (قده): "قد یکون لواقعة حکم، لکنّها تتّخذ حکماً آخر على ضوء الأصول الحاکمة على المجتمع وسیاساته واقتصاده"؛ ذلک أنّ الأحکام تتبدّل بتبدّل موضوعاتها، والزمان والمکان قد یؤثّران فی موضوع الحکم، فیتبدّل الحکم بتبدّلها.
وهنا یأتی السؤال المهمّ؛ ومفاده: هل یؤدّی تغیّر الزمان والمکان إلى تغیّر الأحکام -وهذا بلا شکّ یتعارض مع القاعدة المعروفة التی تؤکّد ثبات الشریعة، وتستند إلى الروایات المصرّحة بأنّ "حلال محمد حلال إلى یوم القیامة، وحرامه حرام إلى یوم القیامة"- أم إنّ التغیّر یطرأ على الموضوعات فقط، دون الأحکام؟
ویضرب المصنّف مثال استخراج المعدن، حیث یعتبر الفقهاء أنّ من وجد معدناً فی أرضه فهو له، ولکنّ الإمام الخمینی (قده) رأى أنّ هذا الحکم مقیّد بشروط زمانیّة ومکانیّة، ومع تغیّر هذه الظروف وتبدّل القدرات الإنتاجیّة ووسائلها، یتبدّل الموضوع، وبالتالی لا یبقى الحکم کما هو.
وکذلک الأمر بالنسبة إلى لعبة الشطرنج، فالزمان کانت له مدخلیّة فی تغیّر الموضوع، فخرج الشطرنج عن اللهویّة والقماریّة، ولذلک تبدّل الحکم بتبدّل الموضوع. وهکذا یکون الإمام (قده) ملتزماً بثبات الشریعة. وثباتها متوقّف على تحقّق موضوعاتها، وعلیه؛ فإنّ بعض الموضوعات تأخذ حکماً جدیداً فی ظلّ المعادلات الحاکمة على سیاسات النظام العالمیّ، وعلى المجتهد أن یکون مطّلعاً ومحیطاً بهذه القضایا المعاصرة.
یقول المصنّف إنّ ما قدّمه الإمام الخمینی (قده) هو منهج فقهیّ جدید، حیث یتوجّب على المجتهد -بمقتضى هذه النظریّة- أن یکون على تماسّ دائم مع الواقع المعاش، ولهذا تأثیر کبیر على العملیّة الفقهیّة والاستنباطیّة برمّتها، خاصّة أنّ تشخیص الموضوعات یکون من وظیفة المجتهد، لا من وظیفة المکلّف.
وعدم انطلاق المجتهد فی استنباطه من الواقع المعاش، بل من الروایات التی انطلقت من واقع مختلف؛ سیؤدی إلى أن یکون فقهنا معبّراً عن واقع غیر معاش بالنسبة إلینا.
ویترتّب على نظریّة الإمام (قده) مجموعة من النتائج نلخّصها فی الآتی:
- التجدید فی نظریّة الإمام الخمینی (قده) یعبّر عن حکم شرعیّ، لا عن حکم استثنائیّ یعتمد على الأحکام الثانویّة.
- الفقیه فی نظریّة الإمام (قده) أکثر ارتباطاً بالواقع.
- التأکید على الدور الاجتماعیّ فی عملیّة الاستنباط والتشریع.
وینطلق المصنّف لبیان اتّساع تأثیر نظریّة الإمام (قده)، من خلال طرح سؤال مفاده: هل یمکن لهذه النظریة أن تشمل العبادات أم هی خاصّة بأبواب المعاملات؟ وذلک باعتبار أنّ تشخیص الموضوعات فی العبادات هو من مهمّة الشارع، لا من مهام الفقیه، وهنا یطرح المصنّف مسألة أخرى فی المقام، حیث یسأل: هل کلّ الموضوعات تتبدّل؟ وما هو معیار التبدّل؟ وهذه الإشکالیّة تنشأ من العلاقة الجدیدة التی أسّستها نظریّة الإمام (قده) بین الحکم الشرعیّ وبین الواقع.
وتعبّر هذه الإشکالیّة عن فهم خاطئ لنظریّة الإمام (قده)، فالحکم الإلهیّ ثابت لا یتبدّل؛ وإنّما التبدّل ینشأ بعد تبدّل الموضوع، فمن الطبیعی أن یکون لدینا حکم جدید، وفی کثیر من الأحیان یکون التبدّل فی المتعلّق لا فی الحکم، مثل: برّ الوالدین؛ حیث إنّ الحکم هو نفسه، لکنّ المتعلّق هو الذی یتبدّل من زمان إلى آخر.
وینطلق المصنّف إلى معالجة مسألة الاجتهاد الحوزویّ عند الإمام الخمینیّ (قده)؛ إذ یرى أنّ دراسة الفقه والأصول لا تکفی فی عملیّة الاجتهاد.
ویقول المصنّف إنّ الإمام الخمینی (قده) لم یتفرّد فی الدعوة إلى التجدید؛ وإنْ تفرّد فی تأسیس المبانی العلمیّة والنظریّة لمثل هذا التجدید.
وقد استعرض المصنّف بعض فتاوى العلماء الذین أخذوا الزمان والمکان وتبدّلهما قیداً فی عملیّة الاستنباط، وینقل ما قاله الشهید الأوّل فی هذا المجال: "یجوز تغییر الأحکام بتغیّر العادات؛ کما فی النقود المتعاورة (المتداولة)، والأوزان المتداولة، ونفقات الزوجات والأقارب..."، وکما ینقل بعد ذلک جملة من أقوال العلماء الذین صرّحوا بدخالة الزمان والمکان فی عملیّة الاستنباط.
ثانیاً: تقویم الکتاب:
1- لم یقدّم الکاتب فی هذا الکتاب شیئاً جدیداً ومبتکراً، حیث إنّه اکتفى بعرض النظریّات المختلفة؛ مثل: نظریّة الشهید الصدر (قده)، والشهید مطهری (قده)، والإمام الخمینی (قده)، وغیرها من الرؤى التی عرضها فی کتابه، بل إنّه لم یدرس هذه النظریّات دراسة نقدیّة موسّعة، مکتفیاً ببعض التعلیقات البسیطة.
2- من الملاحظ أنّ کلّ نظریّة من هذه النظریّات المطروحة فی الکتاب تقدّم حلاً لجزء من الإشکالیّة ولجانب أو أکثر من جوانبها، ولا شکّ فی أنّ جمع هذه الرؤى معاً قد یشکّل حلاً للمشکلة، فحصر الحلّ برؤیة واحدة أو بنظریّة حاصرة هو أمر بعید عن الواقع فی حقیقة الأمر، والغریب أنّ الکاتب لم یشر إلى هذا الجانب؛ وإنّما جاء اهتمامه بنظریّة الإمام الخمینی (قده) فی الزمان والمکان، وتخصیص فصل کامل للحدیث عنها، لیُشعر بأنّه یتبنّى هذه النظریّة دون غیرها، والحقّ أنّ لکلّ نظریّة حظّاً من الأهمّیّة لا بدّ من الالتفات إلیه.
3- لم یستعرض المصنّف الإشکالیّات والآراء الحدیثة فیما یتعلّق بثبات الشریعة، ولم یشر إلى النظریّات المطروحة تحت عنوان تاریخیّة النصوص الدینیّة، وغیرها من النظریّات التی تشکّک فی قدرة الدین والشریعة على تدبیر شؤون هذا العالم. وقد کان من الضروریّ -بل من اللازم- عرض هذه النظریّات ونقدها، لا أن یتمّ إغفالها وإهمال عرضها وبیان مکامن الخلل فیها.
على کلّ حال، فقد بذل المصنّف جهداً فی بیان الإشکالیّة الأساسیّة فی الفقه الإسلامیّ المعاصر، وقدّم للقارئ خدمة جلیلة؛ إذ جمع له النظریّات المختلفة التی طرحها علماء کبار لحلّ المشکلة، من أمثال: الشهید الصدر (قده)، والإمام الخمینی (قده)، وغیرهما...
[1] باحث فی الفکر الإسلامیّ، من لبنان.
[2] ورد خطأ طباعی فی النص فی صفحة 107، حیث ورد فی المقطع الثانی من هذه الصفحة: >أصحاب نظریة الحسبة< والصحیح >أصحاب نظریة ولایة الفقیه<.